أهميّة الشّورى في بناء مجتمع قويّ متعاون

قال الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز: {وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ}. صدق الله العظيم.
مبدأ الشّورى
يدعو الله سبحانه وتعالى، في هذه الآية، عباده المؤمنين إلى اعتماد الشّورى قاعدةً في إدارة مختلف شؤون حياتهم؛ الفرديّة والعائليّة والاجتماعيّة والسياسيّة والأمنيّة، فلا يستبدّ أحد برأيه أو يتفرَّد به، بل يتشاورون في أمورهم، ويتبادلون الرَّأي للوصول إلى الموقف الأصوب، مصداقًا لقوله تعالى: {وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ}.
فلا ينبغي للمؤمن أن يتَّخذ قرارًا أو يتبنّى فكرةً أو رأيًا قبل أن يستشير الآخرين، ولا أن يقتصر في ذلك على ما يراه هو، أو على ما توصَّل إليه تفكيره. فإذا تعزّزت ثقافة الشّورى لدى الأفراد وفي المجتمع، فإنَّها تسهم في الوصول إلى الرّأي الأصوب والأسلم، وتقلّل من الأخطاء الّتي تنتج غالبًا من التّفرّد بالرّأي أو الاستبداد به، وتفتح الباب أمام كلّ صاحب فكرة أو رأي لأن يعبّر عمّا لديه.
فالإنسان، مهما بلغ من العلم والخبرة والتّجربة، يبقى معرَّضًا للخطأ، وقد تغيب عنه أمور، أو تخفى عليه حقائق تكون حاضرةً عند غيره.
أهميّة الشّورى
وإظهارًا لأهميّة الشّورى، جعلها الله عزَّ وجلّ مقرونةً بالاستجابة لأمره، وبإقامة الصَّلاة، والإنفاق في سبيله، بل إنّه سبحانه دعا إليها رسوله (ص)، رغم عدم حاجته إليها، لما منحه الله من النّبوَّة والحكمة والاتّصال بالوحي، وذلك ليُربّي المسلمين على التّعاون والمشاركة في الرّأي، ويبعدهم عن الاستبداد والتّفرّد. فقال تعالى: {وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ۖ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ}.
وقد أشارت الأحاديث الشَّريفة إلى أهميّة الشّورى، فقد ورد عن رسول الله (ص): “مَا شَقِيَ عَبْدٌ بِمِشُورَةٍ، وَلَا سَعِدَ عَبْدٌ اسْتَغْنَى بِرَأْيهِ”، وفي الحديث عن أمير المؤمنين عليّ (ع) قال: “بعثني رسول الله (ص) إلى اليمن فقال لي وهو يوصيني: يا عليّ، ما خاب من استخار، ولا ندم من استشار”، وقد ورد عنه (ع) أيضًا: “مَنِ اسْتَبَدَّ بِرَأْيِهِ هَلَكَ، ومَنْ شَاوَرَ النَّاسَ شَارَكَهَا فِي عُقُولِهَا”.
وفي الحديث: “مَا تَشَاوَرَ قَوْمٌ إِلَّا هُدُوا إِلَى رُشْدِهِم”، وفي حديث آخر: “لا يَسْتَغْنِي العَاقِلُ عَنِ المُشَاوَرَةِ”.
خطورة التفرّد بالرأي
وفي المقابل، اعتبر القرآن الكريم أنَّ الاستبداد بالرّأي والتّفرّد به هو منطق فرعون الَّذي كان يرى نفسه صاحب الرَّأي وحده، ولا يقبل من قومه أن يناقشوه أو يشاركوه الرأي، وكان يقول لهم: {مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَىٰ وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ}، فكان ذلك من أسباب هلاكه.
الشّورى في حياة الرّسول (ص)
وترسيخ مبدأ الشّورى هو ما حرص رسول الله (ص) على ممارسته في سيرته، فقد كان، عندما يريد الإقدام على أمرٍ مهمّ، يقول لأصحابه: “أشيروا عليَّ”. وقد عبّر أحد أصحابه عن ذلك بقوله: “ما رأيتُ أحدًا قطُّ كان أكثرَ مُشاورةً لأصحابِهِ من رسول اللهِ (ص)”.
وقد تجلّى ذلك بوضوح في حياته (ص)، ففي معركة بدر، عندما خرج (ص) لاعتراض قافلة تجاريّة لقريش، في إطار الضّغط عليها، لتكفّ عن الكيد للمسلمين وإثارة القبائل المحيطة بالمدينة ضدّهم، بلغ المسلمين خبر تحرّك جيش قريش ووصوله إلى مشارف المنطقة الّتي كانوا فيها. وكان النّبيّ (ص) يومها أمام خيارين صعبين: إمَّا المواجهة، وإمَّا العودة إلى المدينة، لم يقل لأصحابه: أنا النّبيّ، وأنا قائدكم، وقد اتّخذت القرار، وعليكم الطّاعة، بل جمعهم وقال لهم: “أشيروا عليَّ”، فأبدى أصحابه آراءهم، وأخذ رسول الله (ص) بالرّأي الّذي انتهت إليه المشورة، وكان القرار بالمواجهة.
وظهر هذا المبدأ أيضًا في واقعة أُحد، فعندما تحرَّك جيش قريش باتّجاه المدينة، جمع رسول الله (ص) أصحابه وقال لهم: “أشيروا عليَّ”، فأشار بعضهم بالتَّحصّن داخل المدينة ومقاتلة قريش منها، بحيث يشارك أهل المدينة في الدّفاع عنها. وكان رسول الله (ص) يميل إلى هذا الرّأي، لكنّ آخرين رأوا الخروج لمواجهة قريش خارج المدينة، وكانوا يمثّلون الأكثريّة، فأخذ رسول الله (ص) برأيهم؛ تأكيدًا لاحترام مبدأ الشّورى.
وتجلّت الشّورى كذلك في غزوة الخندق، فعندما جاءت قريش ومعها حلفاؤها بجيش قُدِّر بعشرة آلاف رجل، وكان هدفهم الوصول إلى المدينة والسّيطرة عليها، جمع رسول الله (ص) أصحابه، وقال لهم: “أشيروا عليَّ”، فأشار عليه الصّحابيّ سلمان الفارسيّ بحفر خندق يحيط بالمدينة، ويمنع الجيش من الوصول إليها، فأخذ رسول الله (ص) بهذا الرّأي، وكان ذلك مفاجأةً لقريش وحلفائها، وأسهم في إيقاف زحفهم، وإرباك خططهم، وتحقيق النّصر للمسلمين على الأحزاب.
وبرزت المشورة أيضًا عندما أراد رسول الله (ص)، بعد صلح الحديبيّة، أن يبعث رسائل إلى الملوك يدعوهم فيها إلى الإسلام، فاستشار بعض أصحابه في الشَّكل الأنسب للرّسائل الّتي سيبعثها إليهم، فقالوا له: يا رسول الله، إنَّ الملوك لا يقرأون كتابًا إلّا أن يكون مختومًا. فأخذ رسول الله (ص) بمشورتهم، واتّخذ خاتمًا من فضَّة نُقشت عليه ثلاث كلمات: محمّدٌ رسولُ الله.
شروط المشورة النّاجحة
أيّها الأحبّة، لكي تؤدّي الشّورى دورها الحقيقيّ، وتحقّق الغاية المرجوَّة منها، لا بدّ من مراعاة جملة من الأمور:
أوّلًا: أن يكون من نستشيرهم من أهل العلم والخبرة في الموضوع، ولا نستشير الجبان والبخيل والحريص. وهذا ما عبّر عنه أمير المؤمنين عليّ (ع) في عهده إلى مالك الأشتر: “ولا تُدْخِلَنَّ في مشورتك بخيلًا يَعْدِلُ بك عن الفضل ويَعِدُك الفقر، ولا جبانًا يُضعفك عن الأمور، ولا حريصًا يزيّن لك الشَّرَهَ بالجور”.
ثانيًا: أن نشاور من يملك العقل وحسن الرّأي والحكمة والقدرة على تقدير الأمور، بعيدًا من الهوى والمصلحة الشّخصيّة والحسابات الخاصَّة.
ثالثًا: أن يكون الهدف من المشورة الوصول إلى الحقّ وتحقيق المصلحة، لا أن تكون الاستشارة مجرّد مجاملة شكليّة، بل أن نستمع إلى المشورة، ونصغي إلى من يقدّمها باهتمام، وأن نشكر من قدّمها، حتّى إن لم نأخذ برأيه.
رابعًا: أن نوسّع دائرة مشاوراتنا، ولا سيَّما في القضايا المصيريّة، حتّى نخرج بالرّأي الأصوب، وأن لا نستهين بأيّ رأي يطرح أمامنا.
ولتعزيز هذا المبدأ، حثّت الأحاديث من يملك القدرة على الشّورى على أن لا يبخل برأيه ونصيحته، لذا ورد في الحديث: “من استشار أخاه فلم ينصحه الرّأي، سلبه الله عزّ وجلّ رأيه”، كما اعتبر رسول الله (ص) تقديم العلم والرّأي النّافع نوعًا من الصَّدقة، فقال: “تَصَدَّقُوا على أخِيكُم بِعِلمٍ يُرشِدُهُ، ورَأيٍ يُسَدِّدُهُ”، وإلى هذا أشار أمير المؤمنين (ع): “لَا تَكُفُّوا عَنْ مَقَالَةٍ بِحَقٍّ، أَوْ مَشُورَةٍ بِعَدْلٍ”. وقد ورد في رسالة الحقوق: ” وَأمّـا حَقُّ المُسْتَشِيرِ، فَإنْ حَضَرَكَ لَهُ وَجْهُ رَأْي جَهَدْتَ لَهُ فِي النَّصِيحَــةِ، وَأَشَرْتَ عَلَيهِ بمَا تَعْلَمُ أَنَّكَ لَوْ كُنْتَ مَكَانهُ عَمِلْتَ بهِ… وَإنْ لَمْ يَحْضُرْكَ لَهُ رَأيٌ، وَعَرَفْتَ لَهُ مَنْ تثِقُ برَأيِهِ وَترْضَى بهِ لِنَفْسِكَ، دَلَلْتَهُ عَلَيْهِ وَأَرْشَدتَهُ إلَيْهِ”.
تعزيز مبدأ الشّورى
أيّها الأحبّة، لقد عانينا، ولا نزال نعاني، من أولئك الّذين يستبدّون بآرائهم، ممّن يرون في الاستشارة ضعفًا أو انتقاصًا من مكانتهم، فيما الشّورى ليست ضعفًا، بل مصدر قوّة، وليست انتقاصًا من الإنسان، بل إسنادًا له وتسديدًا لرأيه، وليست تخلّيًا عن القرار، بل وسيلة تساعده على أن يكون قراره أكثر حكمةً ونضجًا، وأبعد من الوقوع في الخطأ.
فلنعزّز مبدأ الشّورى في واقعنا، ولنُدخلها إلى كلّ مواقعنا؛ أن تكون في بيوتنا، بأن يشاور الزّوج زوجته وأبناءه في شؤون الأسرة، أن يعتمدها المدير والمسؤول، فيستمع إلى من يعملون معه حتّى لو كانوا أدنى منه في الموقع، أن ننشئ في مدارسنا وجامعاتنا ومؤسَّساتنا وجهاتنا الاجتماعيّة والسّياسيّة والأمنيّة لجانًا ومجالس، تفسح المجال للتَّعبير عن الرّأي والمشاركة في القرار.
فبالشّورى نبني مجتمعًا قويًّا متماسكًا؛ مجتمعًا متعاونًا يفكّر أفراده بعضهم ببعض، ويحترم بعضهم آراء بعض، ونكون به أقدر على مواجهة الصّعوبات، وتجاوز الأزمات.
بسم الله الرَّحمن الرَّحيم
الخطبة الثَّانية
عباد الله، أوصيكم وأوصي نفسي بأن نصبر على أداء الطّاعة وترك المعصية، أن نصبر عندما تواجهنا البلاءات والتّحدّيات والأزمات، بأن لا نسقط أمامها، أن نتماسك ولا ننهزم ولا نتراجع عن قيمنا ومبادئنا وعزَّتنا وكرامتنا، لنحظى بما وعد الله عزّ وجلّ به الصَّابرين، ممّا أشار إليه الله سبحانه وتعالى: {وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ}، {وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ}، {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا}.
وفي الحديث: “الصَّبر من الإيمانِ بمنزلةِ الرَّأس من الجسدِ”، “المؤمن يُطبَع على الصَّبر على النوائب”. وفي حديثٍ آخر: “بالصَّبر تدرك معالي الأمور”، “وإنَّ النَّصر مع الصَّبر، وإنَّ الفرج مع الكرب، وإنَّ مع العسر يسرًا”.
إنّنا أحوج ما نكون في هذه المرحلة إلى أن نلتزم بهذه القيمة الّتي تجعلنا قادرين على القيام بمسؤوليّاتنا، وحسن تقدير الأمور لتجاوز الصّعوبات، ولنكون أقدر على مواجهة التّحدّيات.
وحشيّة العدوان
والبداية من العدوان المستمرّ على لبنان، والّذي نشهده في الغارات الّتي طاولت ولا تزال تطاول مباني سكنيّة ومؤسّسات رسميّة وصحيّة، وأدّت إلى سقوط شهداء وجرحى، ولم توفّر النّساء والأطفال حتّى الرّضّع.
فيما يستمرّ العدوّ بسياسته القائمة على التّفجير والحرق والتّجريف للبيوت والمؤسّسات والبنى التّحتيّة للقرى الّتي يسيطر عليها، وكان آخرها ما جرى في موقع عليّ الطّاهر، والّذي أدّى حجم الموادّ التّفجيريّة فيه إلى زلزال، ما يشير إلى فداحة ما جرى، واستهانته بالحجر والبشر وبهذا الوطن، في وقت تتوعّد قياداته، وبكلّ وضوح، باحتلال المزيد من الأراضي اللّبنانيَّة.
وهو يستفيد في ذلك من القدرات التَّدميريّة الّتي يمتلكها، والتّغطية الدّولية الّتي يحظى بها، والّتي تجعله قادرًا على أن يفعل ما يشاء من دون أن يرتفع أيّ صوت للتّنديد بجرائمه، بل نجد أنَّ هناك من يبرّر أفعاله، مهما كانت نتائجها الكارثيَّة. وما يشجّعه على ذلك، أنّ ما يجري من قبل العدوّ على السّاحة اللّبنانيّة، بات يدخل في حسابات العمليّة الانتخابيّة، ولو على حساب دماء اللّبنانيّين ومقدّراتهم.
الثّبات.. ومسؤوليّة الدّولة
إنّنا أمام ما يجري، نجدّد دعوتنا اللّبنانيّين إلى الصّبر والثّبات على المواقف، وإبقاء باب الأمل مفتوحًا، وأن نثق بأنّ الله عزّ وجلّ سيجعل بعد العُسرِ يُسرًا.
فيما ندعو الدّولة اللّبنانيّة، في مواجهة ما يجري، ألّا تكتفي ببيانات الإدانة لما يرتكبه العدوّ من جرائم ومجازر، بل بتفعيل دورها في الخيار الّذي اتّخذته على الصّعيد الدّبلوماسيّ، بأن ترفع صوتها في المحافل الدّوليّة، وأن تستفيد من رصيد لبنان على الصّعيد العربيّ والإسلاميّ والدّوليّ، وأن يكون موقفها حازمًا، بأنَّها لن تبقى تراوح مكانها في مفاوضات لن تؤدّي إلى أيّ نتيجة، بل بات العدوّ يستفيد منها لتغطية جرائمه. وفي الوقت نفسه، ندعوها أن تبذل جهودها لتعزيز صمود الأهالي في القرى المتاخمة لمواقع احتلال العدوّ وثباتهم في أرضهم، وعودتهم إلى قراهم، بتأكيد الحضور الفاعل للدّولة في كلّ الميادين الّتي يحتاجها المواطن، سواء منها الأمنيّة أو المعيشيّة والتّربويّة والصّحيّة، وتسيير مرافق الدّولة وتعزيز حضورها إلى جانبهم، حتّى يشعروا أنَّ هناك دولة تحتضنهم وتكون معهم عندما يواجهون التّحدّيات، وهذا حقّهم عليها.
فيما نعيد دعوة اللّبنانيّين إلى وعي مخاطر ما قد يسعى إليه العدوّ، والّتي قد لا تقف عند حدود ما وصل إليه، بل كلّ تصريحات مسؤوليه تشير إلى أنَّ ما يهدف إليه يتجاوز ذلك ليمسّ الوطن كلّه، ما يستدعي من اللّبنانيّين التّلاقي في حوار داخليّ جدّيّ، يأخذ في الاعتبار مصلحة الوطن، للوصول إلى الخيار الأفضل للتّعامل مع هذه المرحلة الصّعبة ومواجهة مخاطرها. وعلى الأقلّ، أن يتمّ تنظيم الاختلاف، فلا يؤدّي إلى المسّ بالوحدة الدّاخليّة الّتي ينبغي أن تكون فوق كلّ اعتبار.
أعباء الموازنة الجديدة
في هذا الوقت، نعيد التّأكيد على الحكومة، في ما يتعلّق بالموازنة الّتي تقوم بإعدادها، أن لا تكرّر فيها أخطاء موازنات سابقة، وأن تعكس في موازنتها سياسة اقتصاديّة واجتماعيّة قادرة على معالجة الأزمات الّتي يعانيها الوطن واللّبنانيّون، وما نتج من العدوان الصّهيونيّ، وأن تسهم في تحفيز النّموّ، وتكون أداة للنّهوض الاقتصاديّ والمعيشيّ، لا مجرّد وسيلة لتمويل النّفقات.
إنّنا نعي حجم حاجة الدّولة إلى تأمين نفقاتها، ولكنَّ هذا لا يبرّر لها استسهال مدّ يدها إلى جيوب المواطنين، بعدما باتت جيوبهم فارغة، وبفعل الواقع الصَّعب الّذي يعيشونه، وهم من ينأَون بأعباء الضّرائب الّتي فرضت عليهم، والغلاء الفاحش الّذي بات يطاول كلّ احتياجاتهم، وأن تكون الأولويّة في ذلك لمعالجة جادّة لمكامن الفساد والهدر اللّذين لا يزالان يستشريان في مفاصل الدّولة، وحسن الاستفادة من مواردها.
العدوان على غزّة
ونعود إلى فلسطين، حيث يستمرّ العدوّ في غاراته على غزّة، الّتي تستهدف المدنيّين، وتصيب بنيتها التّحتيّة، والّتي تستكمل في الضّفّة الغربيّة، بما ينسف كلّ الاتّفاقات الّتي أبرمت معه وبغطاء دوليّ، سعيًا منه لتيئيس الشَّعب الفلسطينيّ ودفعه إلى الخروج من أرضه.
وهو ما يدعو الدّول العربيّة والإسلاميّة، وكلّ أحرار العالم، إلى القيام بمسؤوليَّاتها تجاه هذا الشّعب. وهنا ننوّه بمواقف العديد من الدّول الأوروبيَّة، باتّخاذها خطوات عقابيّة بحقّ الكيان الصّهيونيّ بسبب سياسته الاستيطانيّة التّوسعيّة.