المودّة لأهل البيت (ع) بالالتزام بنهج الحسين (ع)
قال الله سبحانه: {ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبَادَهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى}. صدق الله العظيم.
نزلت هذه الآية على رسول الله (ص)، لتدعوه أن يعلن للمؤمنين أنَّه لا يريد منهم أجرًا مادّيًّا أو حتّى معنويًّا مقابل كلّ الجهود الّتي بذلها والمعاناة الّتي تحمّلها من أجلهم، حين أخرجهم من ظلمات الجهل والتّخلّف والتّشرذم والتّفرّق، وجعل منهم أمَّة هي خير أمَّة أخرجت للنّاس، بل كلّ ما يريده منهم هو المودَّة في القربى، والمودّة تعني أن يعبّروا عن محبّتهم لذوي القربى.
مودّة ذوي القربى
وقد أشارت الأحاديث إلى أنَّ المقصود بذوي القربى أولئك الَّذين اصطفاهم الله سبحانه: عليّ وفاطمة والحسن والحسين والأئمَّة من ولد الحسين (ع)، ممّن نزلت فيهم الآية: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا}، لكونهم صمَّام أمان من الضَّلال والانحراف، وهو ما عبّر عنه رسول الله (ص) بقوله: “إنّي تارك فيكم ما إن تمسَّكتم بهما لن تضلّوا بعدي أبدًا؛ كتاب الله، وعترتي أهل بيتي”، وذلك للدّور الّذي أنيط بهم في حفظ الإسلام وإبقائه نقيًّا صافيًا، ومنع يد التّحريف من أن تمتدّ إليه، أو العبث بمعالمه على الصّعيد الفكريّ والعمليّ.
وقد أراد رسول الله (ص) أن لا تقف هذه المودّة عند حدود إبداء مشاعر الحبّ لأهل هذا البيت الطّاهر، وإن كانوا يستحقّون منّا كلّ الحبّ، ممّا لا بدّ أن نعزّزه في قلوبنا، وأن نجريه على ألسنتنا بذكرهم وإحياء أمرهم، ولكن لا بدّ أن يتمثّل ذلك في السّلوك والعمل والمواقف، بأن نهتدي بهديهم، وأن نقتدي بهم في عبادتهم لله وحبّهم وإخلاصهم له، وبحلمهم وتواضعهم وحسن خلقهم، وبذلهم وعطائهم وكرمهم، وفي محبّتهم للنّاس، حتّى الّذين كانوا يختلفون معهم، وفي لين كلامهم، والّذي به كانوا يقرّبون النّاس إليهم ويحوّلون أعداءهم إلى أصدقاء.
وهذا ما عبَّر عنه الإمام زين العابدين (ع) عندما قال: “أحبّونا حبّ الإسلام”، فقد أراد للموالين لأهل البيت (ع) أن تنعكس محبّتهم لهم حبًّا للإسلام والتزامًا به، والّذي قدّموا لأجله التّضحيات… وإلى هذا أشار الإمام الباقر (ع) عندما قال: “حسب الرَّجل أن يقول: أُحبّ عليًّا وأتولّاه، ثم لا يكون مع ذلك فعَّالًا؟ فلو قال إنّي أُحبّ رسول الله، فرسول الله (ص) خير من عليّ (ع)، ثم لا يتّبع سيرته ولا يعمل بسنّته، ما نفعه حبّه إيّاه شيئًا”، وقد أشار إلى ما تدعو إليه هذه المودّة بالقول: “والله ما شيعتنا إلّا من اتّقى الله وأطاعه، وما كانوا يُعرفون إلّا بالتّواضع، والتّخشّع، وكثرة ذِكر الله، والصّوم، والصّلاة، والتّعهّد للجيران والفقراء وأهل المسكنة والغارمين والأيتام، وصدق الحديث، وتلاوة القرآن، وكفّ الألسن عن النّاس إلّا من الخير، وكانوا أمناء عشائرهم في الأشياء”، وقال: “إنَّما شيعتنا الَّذين إذا غضبوا لم يظلموا، وإن رضوا لم يسرفوا، بركة على من جاوروا، وسلم لمن خالطوا”.
مودّة الحسين (ع)
وفي ذكرى عاشوراء الّتي نعيشها في هذه الأيّام، نحن مدعوّون أن نعبِّر عن هذه المودَّة لمن أمرنا الله بمودّته، وهو الإمام الحسين (ع)، وتعبيرنا لا ينبغي أن يقف عند حضور المجالس الّتي تقام في هذه الذّكرى، أو ذرف الدّموع، أو لبس السّواد، وإن كان هذا ينبغي أن يحصل، بل أن نكون أيضًا في الموقع الَّذي حدّده الإمام الحسين (ع) عنوانًا لثورته، والّذي لأجله كانت التّضحيات الجسام الّتي قدّمها هو وأصحابه وأهل بيته، عندما قال: “إنّي لم أخرج أشرًا، ولا بطرًا ولا مفسدًا، ولا ظالمًا، وإنّما خرجت لطلب الإصلاح في أمّة جدّي، أريد أن آمر بالمعروف وأنهي عن المنكر…”، وعندما قال: “أَلَا تَرَوْنَ أَنَّ الحَقَّ لَا يُعْمَلُ بِهِ، وَأَنَّ البَاطِلَ لَا يُتَنَاهَى عَنْهُ”.
لذلك، سيكون إخلاصنا للحسين (ع) هو أن نكون الآمرين بالمعروف، والنّاهين عن المنكر، والسّاعين لإصلاح واقعنا، إن على الصّعيد الفرديّ أو الاجتماعيّ أو السّياسيّ، وأن نقف في وجه من يعملون لإفساد واقعنا والحياة من حولنا، بأن لا نجاملهم أو أن نسكت على فسادهم، حتّى لو كانوا أقرب النّاس إلينا، أو من طائفتنا أو مذهبنا أو موقعنا السّياسيّ، وأن لا نتنازل أو نساوم على القيم الّتي دعانا الله إليها؛ قيم الحقّ والعدل، وعلى ما فيه عزّتنا وكرامتنا… وأن نقول ما قاله الحسين (ع): “والله لا أعطيكم إعطاء الذَّليل، ولا أقرّ إقرار العبيد…” وما قاله لمن خيّروه بين الموت أو المبايعة ليزيد: “أَلا وَإِنَّ الدَّعِيَّ ابْنَ الدَّعِيِّ قَدْ رَكَزَ بَيْنَ اثْنَتَيْنِ: بَيْنَ السّلَّةِ وَالذِّلَّةِ، وَهَيْهَاتَ مِنَّا الذِّلَّةُ! يَأْبَى اللَّهُ ذَلِكَ لَنَا وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ…”، وقال عندها: “إِنِّي لَا أَرَى الْمَوْتَ إِلَّا سَعَادَةً، وَالْحَيَاةَ مَعَ الظَّالِمِينَ إِلَّا بَرَمًا”.
أيُّها الأحبَّة، إنّنا معنيّون بالمودّة للحسين (ع)… هي ليست خيارًا لنا بل واجبًا، وأن تكون مودّتنا أيضًا لأصحابه الّذين وقفوا معه ولم يتخلّوا عنه ولم يتركوه رغم إذنه لهم بالنّجاة بأنفسهم، عندما قال لهم في ليلة العاشر من محرَّم: “إنّ هذا اللّيل قد غشيكم فاتّخذوه جملًا”، “وذروني وهؤلاء القوم، فإنّهم لا يريدون غيري”. فقالوا له يومها: لا أرانا الله ذلك أبدًا، ولكن نفديك بأنفسنا وأموالنا وأهلينا، نقاتل معك حتّى نرد موردك…
نسأل الله عزّ وجلّ التّوفيق لأن نكون من الصّادقين بمودّة الحسين (ع) الّتي هي مودّة لله ولرسوله (ص) ولكلّ هذا البيت الطّاهر… وأن نعزّزها في واقعنا سلوكًا وعملًا وجهادًا واستعدادًا للتّضحية في سبيل الله عزّ وجلّ.
بسم الله الرّحمن الرَّحيم
الخطبة الثَّانية
عباد الله، أوصيكم وأوصي نفسي بأن نستلهم من الحسين (ع) حبّه لله عزّ وجلّ، والّذي تجلّى في كربلاء بأبلغ معانيه، حين ذُبِحَ ولده الرَّضيع بين يديه، وقال (ع): “هَوَّنَ عَلَيَّ مَا نَزَلَ بِي أَنَّهُ بِعَيْنِ اللهِ”، وبالصّلاة الّتي صلّاها مع أصحابه وهو في قلب المعركة، لم تمنعه عن ذلك كلّ السّهام الّتي كانت توجَّه إليهم، ولأجل هذا الحبّ قدَّم كلّ التّضحيات، وهو ما عبّر عنه الشّاعر عندما قال مصوّرًا حاله:
إلهي تركتُ الخلقَ طُرًّا في هواكا وأيتمتُ العيالَ لكي أراكا
فلو قطّعتَني في الحبّ إربًا لما مالَ الفؤادُ إلى سواكا
إنّنا أحوج ما نكون إلى تعزيز هذا الحبّ في قلوبنا، بأن نكون أشدّ حبًّا لله، والّذي هو علامة إيماننا، كما قال الله عزّ وجلّ: {وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِّلَّهِ}، والّتي بها سيبادلنا الله عزّ وجلّ حبًّا، وعندما يحبّنا سبحانه، سنحظى بما عنده ممّا نحن أحوج ما نكون إليه، وسنكون أقدر على مواجهة التّحدّيات.
العدوّ يوغل في الإجرام
والبداية من التّصعيد الإسرائيلي المتواصل في الجنوب والبقاع الّذي جرى بالأمس وهذا اليوم، والّذي أدَّى إلى سقوط العشرات من الشّهداء والجرحى من النّساء والأطفال والشّيوخ والشّباب، والّذي يأتي في إطار عمل العدوّ لإفشال الاتّفاق الّذي جرى بين الجمهوريّة الإسلاميّة في إيران والولايات المتّحدة الأميركيّة من البوّابة اللّبنانيّة، بعد إعلانه أنّه غير معنيّ به، وما شهدناه ونشهده من غارات واعتداءات أدَّت ولا تزال تؤدّي إلى سقوط المزيد من الشّهداء والجرحى، ومن سعي مستمرّ للتّقدّم إلى أماكن عجز عن الوصول إليها، وإن كان نجاح هذا السّعي يبقى مستبعدًا في ظلّ الزّخم الّذي جاء به الاتّفاق، والرّغبة الدّوليّة والإقليميّة باستمراره، ومنع العبث به والعودة إلى منطق الحرب، وفي ظلّ موقف الجمهوريّة الإسلاميّة في إيران الجادّ بربط التزامها بمفاعيل الاتّفاق بإيقاف تامّ للحرب على لبنان، والّذي تأكّد اليوم بعدم حضورها للاجتماع المرتقب في سويسرا إذا لم يتمّ الالتزام بإيقاف تامّ لإطلاق النّار…
تضحياتٌ وصمود
وهنا، لا بدَّ من أن ننحني إجلالًا للدّماء الطّاهرة الّتي بذلت من أجل منع العدوّ من التّمدّد الّذي كان يريده، والّذي تشهد آثار القتال الّذي جرى ونتائجه على مدى البطولة الّتي عبّر عنها أولئك الّذين نذروا أنفسهم لحماية أرضهم ووطنهم، والثّبات الّذي كانوا عليه، ما يجعلهم فخرًا لهذا الوطن وعزًّا له.
ونعود إلى هذا البلد، لنعبّر عن اعتزازنا بأهلنا في الجنوب والبقاع الغربيّ، ممّن سارعوا إلى العودة إلى قراهم وبلداتهم، وبدأوا بأيديهم وبجهودهم وقدراتهم الذّاتيّة بنفض غبار الحرب عنها، رغم حجم الدّمار، وفقدان البنية التّحتيّة، وتهديدات العدوّ، وهذا الاندفاع السّريع لأهلنا نحو العودة هو ما اعتدنا أن نشهده عند أيّ قرار يصدر بوقف إطلاق النّار من دون انتظار قرار حتّى من الجهات المعنيّة، ما يؤكّد مدى تعلّقهم بأرضهم وحبّهم لها، وهم من بذلوا ويبذلون كلّ غال ونفيس لتحريرها…
مسؤوليَّة الدَّولة
في هذا الوقت، ندعو الدّولة اللّبنانيّة إلى أن تستنفر جهودها وقدراتها من أجل العمل سريعًا للقيام بدورها في توفير كلّ الظّروف الّتي تضمن خروجًا عاجلًا للعدوّ من الأراضي الّتي لا يزال يحتلّها، ولعودة الأهالي إليها، وأن تستند لتحقيق ذلك إلى الزّخم الّذي أمّنه الاتّفاق الأميركيّ الإيرانيّ، وإلى الدّعم الّذي تتلقّاه من العديد من الدّول العربيَّة والعالم الّتي لا تزال تقف مع لبنان، وإلى عناصر القوّة الّتي يمتلكها هذا البلد، والّتي أثبتت رغم عدم تكافؤ القدرات العسكريّة مع هذا العدوّ، أنّها قادرة على إرباكه وإقلاق وجوده في الأماكن الّتي يتواجد فيها. في الوقت الّذي ندعوها إلى أن يكون لها حضورها لمدّ يد العون إلى العائدين إلى قراهم، وتوفير المستلزمات الّتي تضمن لهم العودة الآمنة، وتلبية حاجاتهم الضّروريّة، من طرقات وماء وكهرباء ووسائل التَّواصل.
التَّماسك المطلوب
ولا بدّ من إعادة التّأكيد على ضرورة العمل لتعزيز الوحدة الدّاخليَّة والتّماسك على الصّعيدين الرّسميّ والشّعبيّ، وكفّ كلّ الأصوات الّتي تعمل على المسّ بها وتعميق الانقسام الدّاخليّ، لمنع العدو من الاستفادة من أيّ انقسام داخليّ ممّا راهن عليه ولا يزال يراهن. ونقولها للّبنانيّين إنَّ الوقت ليس وقت تحميل المسؤوليَّات للآخرين، أو تسجيل نقاط أو تصفية حسابات، بل هو وقت العمل لإنقاذ البلد من نيران الاحتلال الّتي نعيد التّأكيد أنّها لا تستهدف طائفةً أو مذهبًا أو موقعًا سياسيًّا، بل تتعدّاه إلى الوطن كلّه.
إنَّ على اللُّبنانيّين أن يعرفوا أنَّ المرحلة هي مرحلة يراد منها رسم خرائط جديدة للمنطقة، وعليهم أن يحرصوا على أن لا يكونوا على هامشها، بل في قلبها، وهذا لا يتمّ إلّا بتكاتفهم وتعاونهم ووحدتهم.
***

