دروسٌ وعبرٌ من أحاديث الإمام الهادي (ع)

قال الله سبحانه وتعالى: {وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ ۖ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ}. صدق الله العظيم.
حصارٌ وتضييق
نلتقي في الخامس عشر من هذا الشّهر، شهر ذي الحجّة، بذكرى ولادة واحد من أئمّة أهل البيت (ع)، وهو الإمام عليّ بن محمّد الهادي (ع)، هذا الإمام الّذي أشار كلّ من عايشه إلى أنّه كان أعلم أهل زمانه وأعبدهم وأزهدهم وأحلمهم وأحسنهم خلقًا، وقد عرف بالتّواضع والكرم.
ولد الإمام (ع) في المدينة المنوَّرة، وتوفّي عن عمر ناهز الأربعين سنة، ودفن في سامرّاء، وقد عانى طوال مدّة إمامته من جور الخلفاء العبّاسيّين الّذين تعاقبوا على الخلافة، وكانت أشدّ معاناته من الخليفة العبّاسيّ المتوكّل، الَّذي كان شديد العداء لأهل البيت (ع)، وهو من استدعاه من المدينة المنوّرة إلى سامرّاء ليكون تحت رقابته، بعدما بلغه من يقول له: إن كانت لك في المدينة حاجة، فأخرج عليّ بن محمَّد منها، فقد كسب قلوب النّاس.
لكنَّ كلّ هذا الحصار والتّضييق لم يمنع الإمام من أداء دوره في نشر علوم أهل البيت (ع)، والتَّصدّي للانحرافات الفكريّة والعقائديّة، وذلك من خلال العلماء الّذين كانوا يفدون إليه لينهلوا من معين علمه، والوكلاء الّذين كانوا يمثّلونه في مختلف المناطق، والّذين شكّلوا صلة الوصل بينه وبين النّاس…
ونحن اليوم سنستفيد من هذه المناسبة العزيزة لنتوقَّف عند بعض كلماته:
التّعامل مع النّعم
الحديث الأوَّل: “أَلقُوا النِّعَمَ بِحُسْنِ مُجَاوَرَتِهَا، وَالْتَمِسُوا الزِّيَادَةَ فِيهَا بِالشُّكْرِ عَلَيْهَا”.
لقد أشار الإمام (ع) في هذا الحديث إلى أنَّ حفظ النّعم الّتي ينعم بها الله على عباده، سواء كانت تلك النّعم مالًا أو صحّة أو موقعًا أو جمالًا أو قوَّة أو غير ذلك، لا يكون بالحرص عليها، بل بحسن التّعامل معها، وذلك بعدم الإسراف والتّبذير فيها، وأن لا تستعمل في الإفساد أو فيما يسيء إلى مصالح النّاس، وأن لا يتكبّر الإنسان بسببها على الآخرين، وأن يلتزم حيالها ما دعا الله عزّ وجلّ إليه ممّا أشار إليه الحديث: “إنّ الله لم ينعم على عبد بنعمة إلّا وألزمه الحجّة فيها… فمن منّ الله عليه فجعله موسعًا عليه في ماله، فحجّته عليه ماله، ثمّ تعاهد الفقراء بفرائضه ونوافله، ومن منَّ الله عليه فجعله قويًّا في بدنه، فحجّته عليه القيام بما كلّفه، واحتمال من هو دونه ممّا هو أضعف منه ومن منّ عليه فجعله شريفًا في قومه، جميلًا في صورته، فحجّته أن لا يغمط حقوق الضّعفاء لشرفه وجماله…”. ومن دون ذلك، لا يكون متّقيًا لله في هذه النّعم.
وفي حديث آخر: “من كثُرت نِعَم الله عليه، كثُرت حوائِجُ النّاسِ إليه، فإن قامَ فيها بِما أوجَبَ الله فقد عرَّضها للدَّوامِ، وإن منع ما أوجبَ الله سبحانهُ فيها فقد عرَّضها للزّوالِ”.
بعدها بيّن الإمام (ع) سبل زيادة هذه النّعم فقال: “وَالْتَمِسُوا الزِّيَادَةَ بِالشُّكْرِ عَلَيْهَا”، فالله يزيد العبد من هذه النّعم إن هو شكره عليها، وهذا ما وعد الله به عندما قال: {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ۖ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ}، “وشكر النّعمة – كما ورد في الحديث – باجتناب المحارم، وتمام الشّكر قول الرّجل: الحمد لله ربّ العالمين”.
من هو الحليم؟!
الحديث الثّاني: “الحليم أن يملك نفسه، ويكظم غيظه، ولا يكون ذلك إلّا مع القدرة”. لقد أراد الإمام (ع) أن يبيّن أنّ الحلم الّذي هو صفة من صفات الله العليا، وهو ما كان عليه الأنبياء والأولياء، وما أشارت الأحاديث إلى أهميّته، حيث ورد في الحديث: “كاد الحليم أن يكون نبيًّا”، “من حَلمَ ساد”. ولا يكون الإنسان حليمًا إلّا إذا كان يمتلك نفسه عند الغضب، بحيث لا يجرّه غضبه إلى أن يقول أو يفعل ما يسيء به إلى نفسه وإلى الآخرين، وما يندم عليه في الدّنيا والآخرة. وقد حرص الإمام (ع) على أن يبيّن أنّ الحلم الّذي قد يعتبره البعض مظهر ضعف وعجز هو عنوان قوّة، ويشير إلى وعي ونضوج لدى صاحبه، وقدرة على التّحكّم بنفسه وعدم الخضوع لانفعالاته، ومن هنا جاء الحديث: “لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ، إِنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الغَضَبِ”.
التثبّت قبل العمل
الحديث الثّالث: “التّثبّت قبل العمل، سلامة من النّدم”.
يدعو الإمام (ع)، من خلال هذا الحديث، الإنسانَ المؤمنَ أن لا يستعجل في أيّ أمر يريد الإقدام عليه، سواء كان ما سيقدم عليه قولًا أو فعلًا أو معاملة أو تأييدًا أو رفضًا، بأن يتثبّت منه حتّى يسلم من النّدم. والتّثبّت يراد منه التّفكير والدّراسة لما يريد القيام به، واستشارة أهل الخبرة، وتدبّر عواقبه ونتائجه، فلا يستعجل في كلّ مواقفه وقراراته وأحكامه الّتي يطلقها، ولا يخضع فيها لهوى أو عصبيّة أو انفعال أو ارتجال.
وقد ورد في الحديث: “إنّما أهلك النّاس العجلة، ولو أنّ النّاس تثبّتوا لم يهلك أحد”.
خطورة الإعجاب بالنَّفس
الحديث الرّابع والأخير: “مَنْ رَضِيَ عَنْ نَفْسِه، كَثُرَ السَّاخِطُون عَلَيْه”.
أراد الإمام (ع) من ذلك أن يبيّن خطورة إعجاب الإنسان بنفسه، حين يرى نفسه كاملًا ولا أحد يدانيه، فيغفل عن عيوبه، ويضعف نقده لذاته ومحاسبته لها، ويؤدّي به إلى أن يتكبّر على النّاس ويستصغر آراءهم ويرفض النَّصيحة، عندها يقول الحديث: سيكثر السّاخطون، لأنّه ستكثر عندها أخطاؤه، ولأنّ النّاس ينفرون من المعجب بنفسه والمتكبّر عليهم، ويميلون إلى من يتواضع لهم ويصغي إليهم. ومن هنا جاء الحديث: “ثمرة العجب البغضاء”، “الإعجاب يمنع الازدياد”، “من دخله العُجب هلك”.
الاقتداء بالإمام (ع)
أيُّها الأحبَّة، هذا بعض معين الإمام الهادي (ع) الّذي ملأ مرحلته علمًا وعملًا وجهادًا وبذلًا وتضحيةً، وبلغ بخلقه ما جعله مهوى قلوب النَّاس، كلّ النّاس. فهل لنا نحن الّذين نلتزمه أن نرتفع إلى مستواه، وأن نستعين على ذلك بالأخذ بسيرته والاهتداء بكلماته، ما يجعلنا نحظى بالولاء له، والّذي لا ينال إلّا بالإيمان وبالعمل الصَّالح…
إنّنا في ذكراه، نتوجّه إليه بتحايانا، لنقول له ومن أعماق قلوبنا، أنّنا سوف نكون له زينًا لا شينًا عليه.
السّلام على الإمام الهادي يوم ولد، ويوم انتقل إلى رحاب ربّه، ويوم يبعث حيًّا.
بسم الله الرَّحمن الرَّحيم
الخطبة الثّانية
عباد الله، أوصيكم وأوصي نفسي بما أوصى به الإمام الهادي (ع) أحد أصحابه، حين قال له: “اذكر مصرعك بين يدي أهلك، ولا طبيب يمنعك، ولا حبيب ينفعك”، إذ يدعونا الإمام (ع) أن نستحضر تلك اللّحظة الّتي نغادر فيها الحياة، حيث لا يستطيع أهلنا ولا أحبّاؤنا ولا الطّبيب الّذي يعالجنا أن يمنعوا عنّا الموت، ويقفون عاجزين عن نجدتنا رغم شدّة حرصهم على حياتنا.
نتذكّر ذلك لا لكي نموت قبل موتنا، بل حتّى نستعدّ له بالقيام بما ينفعنا ويقينا ممّا سنواجهه حين نقف وحدنا بين يدي ربّنا، حيث {لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ}.
إنّنا أحوج ما نكون إلى الأخذ بهذه الوصيّة، لنكون أكثر وعيًا للحياة فلا تغرّنا، وأكثر مسؤوليّة وقدرةً على مواجهة التّحدّيات.
العدوان المستمرّ
والبداية من العدوان المستمرّ من العدوّ الصّهيونيّ على لبنان واللّبنانيّين، والّذي ترك ولا يزال يترك مزيدًا من نزيف الدّم والدّمار، وهو لم يوفّر في ذلك النّساء والأطفال وكبار السّن وأطقم الدّفاع المدنيّ وعناصر الجيش، واستمراره في مسلسل الاغتيالات الّتي وصلت أخيرًا إلى ضاحية بيروت الجنوبيّة، وقد أخذ بعدًا جديدًا وخطيرًا بالتّوغّلات البريّة، والّتي يريد منها تحقيق مكتسبات له على الأرض، وتعزيزًا لشروطه في المفاوضات الَّتي تجري، سواء على الصّعيد اللّبنانيّ، أو فيما يجري بين الولايات المتَّحدة الأميركيّة وإيران.
وهنا، لا بدّ لنا أن نحيّي اليوم من يقفون، ورغم عدم تكافؤ القدرات والإمكانات، على أرض الجنوب والبقاع الغربيّ، للتّصدّي للعدوّ، ومنعه من تحقيق أهدافه والاستقرار في هذه الأرض الطّاهرة، ويقدّمون في كلّ ذلك أنموذجًا في التّضحية والفداء، ونحيّي صبر أهلنا ممّن أصرّوا على البقاء في أرضهم رغم وعيهم لمخاطر ذلك، تعبيرًا عن تعلّقهم بأرضهم ووفائهم لوطنهم، أو أولئك الّذين اضطرّوا إلى النّزوح عنها ويتحمّلون لأجل ذلك أشدَّ المعاناة.
مفاوضات تحت النّار
في هذا الوقت، تستمرُّ المفاوضات الجارية اليوم في واشنطن، والّتي ترى الدّولة اللّبنانيّة أنّها هي الخيار الوحيد أمامها لمواجهة كلّ ما يجري، وإن كنّا لا زلنا نرى أنّها لن تجري بالصّورة الّتي تريدها، أو الّتي تحقّق ما يصبو إليه اللّبنانيّون التّوّاقون إلى إيقاف هذا العدوان وعودتهم إلى قراهم ومدنهم، نظرًا إلى تعنّت العدوّ وتمسّكه بشروطه وأهدافه الّتي تمسّ بسيادة البلد وأمنه ووحدته، وإصراره على أن تجري المفاوضات تحت النّار والسّيطرة على المزيد من أراضيه.
وهنا ندعو الدّولة اللّبنانيّة مجدّدًا إلى القيام بواجباتها تجاه مواطنيها، بالإصرار على الثّوابت الّتي أعلنتها، والّتي من أهمّها إيقاف تامّ لإطلاق النّار، وانسحاب العدوّ من الأراضي الّتي احتلّها وعودة أهلها إليها، وأن يكون رهانها في ذلك على عناصر القوَّة الّتي يمتلكها شعبها في صبرهم، واستعدادهم للتّضحية من أجل وطنهم، أو في استنفار علاقاتها الخارجيّة لتحقيق هذه الأهداف.
ونحن في ذلك نعي حجم المعاناة الّتي تحصل، والضّغوط الّتي تمارس على الدّولة، وإنّما نؤكّد أنّنا إذا كنّا نعاني، فلا ننسى أنّ العدوّ يعاني هو أيضًا: {إِن تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ}، {إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ ۚ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ}.
تعزيز الوحدة الوطنيَّة
ونحن في الوقت نفسه، نعيد التّأكيد على اللّبنانيّين في هذه المرحلة بالذّات، بضرورة العمل على تعزيز وحدتهم، فهي رأسمال هذا الوطن ومصدر قوّته، فبهذه الوحدة نستطيع مواجهة ما يعانيه البلد على الصّعيد السّياسيّ والأمنيّ، وعلى الصّعيد الاجتماعيّ والإنسانيّ…
إنّنا في هذا البلد، قد نختلف طوائف ومذاهب ومواقع سياسيّة، وعلى خيارات معيّنة، وحول أسلوب التّعامل مع ما يجري، ولكن لا ينبغي أن نختلف على العمل لحفظ هذا البلد وإبقائه حرًّا، وكفّ يد الاحتلال عنه، والحؤول دون أن يمسّ الاختلاف بمشاعرنا الوطنيَّة والأخلاقيَّة والإنسانيَّة، بما يمنعُ إحساسَ بعضنا بآلام بعض، وبمعاناة من يعانون في هذا الوطن.
الأزمة الاقتصاديّة
ونبقى على الصَّعيد الدّاخليّ، لنحثّ الدَّولة على الاهتمام بالوضع الاقتصاديّ، والقيام بدورها في مواجهة هذا الغلاء الفاحش الَّذي بتنا نشهده، ما يستدعي تعزيز الرَّقابة على السّلع والخدمات، ومنع تفاقم الأسعار، فيما ندعو التّجَّار إلى الرّأفة بالمواطنين، وأن لا يستغلّوا الظّروف الصّعبة الّتي يعانيها الوطن وغياب الدّولة، لمزيد من كسب الأرباح ولو على حساب آلام اللّبنانيّين وحاجاتهم.
تأثير المفاوضات في المنطقة
وبالانتقال إلى ما يجري في المنطقة، فإنّنا لا نزال نتطلّع إلى أن تنجح المفاوضات الّتي تجري بين الجمهوريّة الإسلاميّة في إيران والولايات المتّحدة الأميركيّة، منعًا لتداعيات فشلها على صعيد أمن المنطقة واستقرارها، والّتي من الطّبيعيّ أن يستفيد لبنان منها، وتساهم في إيقاف نزيف الدّم والدّمار عنه…
***