الخسارةُ والبلاءُ: اختبارٌ للإيمان وسبيلٌ لنيلِ الأجر

قال الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز: {وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ}. صدق الله العظيم.
الخسارة اختبارٌ للإيمان
لقد أشار الله سبحانه وتعالى إلى أنَّ البلاء هو طابع هذه الحياة الّتي نعيشها، فالحياة لن تكون دائمًا على الصّورة الّتي نحبّها ونريدها، بحيث تمرّ من دون عناء أو شقاء أو تعب أو آلام. وهذا ممّا أخبرنا الله عزَّ وجلَّ به، وكان واضحًا معنا عندما قال لنا إنّه قد نشهد في الحياة خوفًا وجوعًا ونقصًا في الأموال وفقد أعزّاء وخسارة في الثَّمرات.
لقد أراد الله سبحانه وتعالى للإنسان أن لا يستغرق في المصائب والابتلاءات رغم الآلام والأحزان، بل أن يحوّلها إلى فرصة له لتعزيز موقعه عند الله سبحانه وتعالى، وتحسين أدائه في الحياة، إن هو أحسن الاستفادة منها.
فأوّلًا: هي تعينه على تصويب مساره في الحياة، لأنّ الإنسان بطبيعته قد يخطئ الطّريق، بحيث يتعلّق بالدّنيا ويتكبّر، ويغفل عن الاستجابة لنداء ربّه وما يدعوه إليه، فالمصائب والابتلاءات توقظ الإنسان من غفلته، وتكسر غروره، وتعيده إلى الله بعد أن يراجع نفسه، ولذا ترى كثيرًا من النّاس بعد المحن الّتي يمرّون بها، يتغيّرون ويصبحون أكثر وعيًا لحقيقة الحياة، بما يضعف تعلّق الإنسان بالدّنيا، ويزيد من ارتباطه بالآخرة، ويجعله أقرب إلى الله ورحمةً بعباده…
وثانيًا: هي تساهم في إظهار جوهر الإيمان، لأنّ الإيمان لا يظهر عند الرّاحة والأمان والصّحة فحسب، بل إنّه يتجلّى عند فقد عزيز، أو عند الخسارة والخوف والألم. فالإنسان في النّعمة يقول عن نفسه إنّه مؤمن وثابت على إيمانه ومتوكّل، لكنَّ الامتحان يكشف حقيقة هذا الإيمان. ومن هنا، كان قوله عزّ وجلّ: {أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۖ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ}، ولهذا اعتبر الابتلاء بمثابة النّار الّتي تظهر نقاء الذّهب، فكما تزيل النَّار الشّوائب من المعدن، تظهر المصائب حقيقة ما في القلب.
ثالثًا: هي باب لنيل الدَّرجات العليا عند الله، وهذا ما أشار إليه الحديث: “الْمَصَائِبُ مَفَاتِيحُ الْأَجْرِ”، وفي الحديث: “إنَّ عِظَمَ الجزاءِ مع عِظَمِ البلاءِ”، “مَا مِنْ بَلِيَّةٍ إِلَّا وَللهِ فِيهَا نِعْمَةٌ تُحِيطُ بِهَا”. وهذه الدّرجات لا ينالها الإنسان إلَّا عندما يحسن التَّعامل مع البلاء، ووفق الصّورة الّتي يريدها الله سبحانه وتعالى.
أجر الصّابرين
وقد أشارت الآية الّتي تلوناها إلى أمرين لا بدَّ من توفّرهما ليحظى الإنسان بهذه النّتائج وبالأجر الجزيل عند الله عزَّ وجلَّ.
أوَّل هذين الأمرين الصَّبر، وقد بشّر الله الصّابرين بالأجر الجزيل، وهو ما أشارت إليه الآية القرآنيّة: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ}، وقال في آية أخرى: {إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ}، وقال: {جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَن صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ ۖ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍ * سَلَامٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ ۚ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ}.
والصّبر يعني أن يبقى الإنسان ثابتًا على إيمانه وثقته بربّه عندما تواجهه المصائب والابتلاءات، أن لا تهتزّ مواقفه ويتراجع عن مبادئه وعن مواقفه، مهما كانت الآلام، لذا هو لا يفعل ما لا يرضي الله عزَّ وجلَّ، أو يقول ما يسخطه أو يجزع وييأس، وهذا لا يعني أن لا يعبّر عن حزنه وألمه، لأنّ مثل هذا التّعبير أمر فطريّ وطبيعيّ، لذا ورد أنَّ رسول الله (ص) كان في منزل رجل ميّت، فاجتمعت النّساءُ يَبْكِينَ عليه، فنهاهنّ من كان في البيت، فقال رسولُ اللهِ (ص): “دَعْهُنَّ؛ فإنّ العينَ دامعةٌ، والقلبَ مُصَابٌ، والعهدَ قريبٌ”.
وهذا ما جرى معه (ص)، فهو بعدما توفّي ولده إبراهيم، بكى حتّى جرت دموعه على خدّيه… وقال: “تَدمَعُ العَينُ، ويحزنُ القلبُ، ولا نقول إلّا ما يُرضِي الله”…
الأمر الثّاني: أن يقول عند المصيبة ما أشارت إليه الآية الّتي تلوناها: {الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ}، فالمؤمن إذا تعرّض لأيّ مصاب، يبادر إلى الاسترجاع عن المصيبة من خلال قوله: {إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ}، وهذا لا يطلق فقط عند فقد عزيز، بل مورده كلّ مصاب وبلاء.
وقد أشار الله سبحانه وتعالى إلى مدى التَّكريم الّذي يحظى به عند الله كلّ من قال هذه الكلمة عند المصاب: {أُولَٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ}. فالّذين يقولونها بوعي وتفهّم لمعناها ومدلولها، سيصلّي عليهم الله، ويمنحهم من عنده رحمة وهدى.
أمَّا ما ينبغي استحضاره عند هذا القول {إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ}، فهو أن يعترف الإنسان بقوله {إِنَّا لِلَّهِ} أنّه مملوك لله، وأنّ كلّ ما عنده منه، وما عنده هو مؤتمن عليه، لذا هو يرضى بحكمه ويتقبَّل قضاءه فيه.
أمّا قوله: {وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ}، فهو اعتراف من العبد بأنّ الرّجوع إلى الله حتميّ يوم القيامة، وأنّ هناك حسابًا وجزاءً… وعليه أن يعدَّ الجواب على ما يسأله الله عزّ وجلّ عنه يوم يقف بين يديه، وهو كما سيسأل عمّا فعله في الرّخاء، سيسأل عمّا تعامل به عند الشّدَّة.
الثّبات عند المصاعب
لذلك، أيُّها الأحبَّة، إنَّ قيمة المؤمن هي حين يعيش هذه الحقيقة الإيمانيَّة في عقله وقلبه، وحين يجسّدها في عمله وسلوكه، فالمؤمن لا تهزُّه المصائب، ولا تصرعه بلاءات الحياة وتغيّراتها، بل يراها فرصةً يعبّر من خلالها عن إيمانه، ليكون له موقعه الكبير في الدّنيا، لما يحظى به من رعاية الله وتأييده وتسديده، ولما يناله عندما يقف بين يدي الله سبحانه وتعالى، من أجر الصّابرين والذّاكرين له والمطيعين له.
بسم الله الرّحمن الرّحيم
الخطبة الثّانية
عباد الله، أوصيكم وأوصي نفسي بالدّعاء الّذي كان يتوجّه به الأنبياء عندما كانت تواجههم الصّعوبات والتّحدّيات، بأن ندعو بما دعا به أيّوب (ع) عند المرض والابتلاء: “رَبِّ إِنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ”، ودعاء يونس (ع) من الكرب عندما دخل في بطن الحوت: “لَّا إِلَٰهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ”، ودعاء موسى (ع) بعدما خرج خائفًا من مصر: “رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ”، ودعاء رسول الله (ص) في المحطّات الصَّعبة: “اللَّهُمَّ رَحْمَتَكَ أَرْجُو، فَلَا تَكِلْنِي إِلَى نَفْسِي طَرْفَةَ عَيْنٍ، وَأَصْلِحْ لِي شَأْنِي كُلَّهُ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ”، “لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله ربّ العرش الكريم”، ودعاء الإمام الحسين (ع) في كربلاء: “اللَّهُمَّ أَنْتَ ثِقَتِي‌ فِي‌ كُلِّ كَرْبٍ، وَأَنْتَ رَجَائِي‌ فِي‌كُلِّ شِدَّةٍ، وَأَنْتَ لِي‌ فِي‌ كُلِّ أَمْرٍ نَزَلَ بِـي‌ ثِقَةٌ وَعُدَّةٌ، كم من كربٍ يضعف فيه الفؤاد، وتقلّ فيه الحيلة، ويخذل فيه الصّديق، ويشمت فيه العدوّ، أنزلته بك، وشكوته إليك، رغبة منّي إليك عمَّن سواك، ففرّجته عنّي، وكشفته، فَأَنْتَ وليُّ كُلِّ نِعْمَةٍ، وَصَاحِبُ كُلِّ حَسَنَةٍ، وَمُنْتَهَي‌ كُلِّ رَغْبَةٍ”.
أيّها الأحبّة، ليكن هذا دعاءنا عندما تواجهنا التّحدّيات، وكلّنا ثقة بأنَّ الله عند وعده، عندما قال: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ}. وبذلك نكون قادرين على مواجهة التّحدّيات والصّعوبات.
التَّصعيد والضّغوط المتواصلة
والبداية من التّصعيد الإسرائيليّ المستمرّ الّذي يتابع تفجيره للمنازل وللبنى التّحتيّة في قرى الشَّريط الحدوديّ، ويتوسع في استهدافه لقرى الجنوب والبقاع، ووصل أخيرًا إلى الضّاحية الجنوبيّة لبيروت، والّذي خلّف ويخلّف وراءه دمارًا هائلًا وشهداء وجرحى، وهو لم يوفّر في ذلك النّساء والأطفال وكبار السّن والكوادر الصّحيّة والدّفاع المدنيّ، وذلك رغم الهدنة المعلنة، والّتي تؤكّد كلّ يوم مدى هشاشتها.
يأتي كلّ ذلك في إطار الضّغوط على لبنان الرّسميّ والشّعبيّ لدفعه للسّير في خيارات لا تلبّي احتياجات اللّبنانيّين من سيادتهم الكاملة على أرضهم وقرارهم الحرّ، وعودتهم إلى قراهم ومدنهم.
إنّنا أمام ما يجري، لا بدَّ أن نحيّي أهلنا الصّابرين، رغم معاناة التَّهجير والنّزوح والتَّدمير لبيوتهم ومواقع عملهم، والتّضحيات الّتي تبذل، ممّن يصرّون، رغم عدم التّكافؤ مع العدوّ على صعيد الإمكانات والقدرات والتّغطية الّتي يمتلكها، على عدم السّماح له بتحقيق أهدافه، في ظلّ محاولاته للسّيطرة على الأرض والتّمدّد فيها، والّذين يؤكّدون من خلال هذا الثّبات، مدى حبّهم لهذا الوطن، وحرصهم على كلّ حبّة تراب فيه، وحفظهم للأمانة الّتي تركها لهم الآباء والأجداد.
مسؤوليّة الدّولة واللّبنانيّين
إنّنا أمام ذلك، نعيد دعوة الدَّولة اللّبنانيَّة إلى أن تكون أمينة على مسؤوليّتها تجاه مواطنيها، بالعمل بكلّ جديّة لإيقاف هذا النّزيف من الدّم والدّمار. في الوقت الّذي نريد للدّولة اللّبنانيّة أن لا تستضعف نفسها، فهي تمتلك من عناصر القوّة الدّاخليّة، أو في علاقاتها الخارجيّة مع كلّ الّذين يريدون خيرًا لهذا البلد، ما يمكّنها من تحقيق ما يصبو إليه اللّبنانيّون.
فيما نعيد التّأكيد على اللّبنانيّين أن يتوحّدوا في مواجهة ما يجري، والخروج من كلّ ما يهدّد التّماسك الوطنيّ، بأن لا يسمحوا للعابثين بالوحدة الوطنيّة بأن يجدوا طريقًا لهم، حيث لا يمكن أن نواجه ما يعانيه هذا الوطن بالانقسام والتّرهّل الّذي نشهده.
إنَّنا لا ننكر وجود خلافات حول الطّرق والأساليب في كيفيَّة التّعامل مع ما يجري لبلدهم، ولكن هذا لا يدعو إلى التّنابذ والتّحاقد والتّخوين، ممّا نشهده على الصّعيد السّياسيّ والإعلاميّ، أو على صعيد مواقع التَّواصل، بقدر ما يدعو إلى التَّلاقي ومدّ الأيدي بعضها إلى بعض، والحوار للوصول إلى الصّيغة الأسلم الّتي تضمن إخراج البلد من النّفق المظلم الّذي يعمل على إدخاله فيه، والّتي لن تقف بتداعياته ونتائجه عند بقعة من هذا الوطن، أو عند طائفة أو مذهب، بل هي تمسّ الوطن كلّه. إنّ على اللّبنانيّين أن يعوا أنَّ الوحدة هي رأسمال ثمين يملكونه، وعليهم أن لا يفرّطوا بها.
واجب الاهتمام بالنَّازحين
ونبقى على صعيد آخر، ونظرًا إلى ازدياد حجم النّزوح بفعل اتّساع دائرة العدوان، فإنّنا نعيد التّأكيد على الدّولة أن تعزّز دورها على هذا الصّعيد، بحيث تشعر مواطنيها بأنّهم مكرّمون ومعزّزون حيثما حلّوا، فهذا من حقّهم على دولتهم، لتكون هي ملاذهم، ولتعزّز ثقتهم بها. فيما نريد للّبنانيّين جميعًا أن يتكاتفوا ويتعاونوا، متجاوزين الحساسيّات الطّائفيّة والمذهبيّة والسّياسيّة، وأن يعبّروا في ذلك عن إنسانيّتهم والقيم الرّوحيّة الّتي يحملونها.
***