التّواضع والسّموّ الإنسانيّ في سيرة الإمام الرّضا (ع)

قال الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز: {وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ}. صدق الله العظيم.

مرّت علينا في الحادي عشر من شهر ذي القعدة الحرام، ذكرى الولادة المباركة للإمام عليّ بن موسى الرّضا (ع). هذا الإمام هو واحد من السّلسلة المباركة لأئمَّة أهل البيت (ع).

سرّ اللّقب

وقد أشار إلى مكانة هذا الإمام (ع) في قلوب النَّاس، اللَّقب الَّذي اقترن باسمه، وهو الرِّضا، الأمر الَّذي يوضحُ ما بلغه من موقعٍ عند الله عزَّ وجلَّ، وفي قلوبِ النَّاسِ جميعًا الَّذين التزموا إمامته، أو من لم يلتزم بها، وهو ما شهد به مَن عايشوه، ممّا عبَّر عنه إبراهيم بن العبّاس الصَّولي عندما قال: “ما رأيت ولا سمعت بأحدٍ أفضل من أبي الحسن الرّضا، وشاهدت منه ما لم أشاهده من أحد؛ ما رأيته جفا أحدًا بكلامه قطّ، ولا رأيته قطع على أحد كلامه حتَّى يفرغ منه، وما ردَّ أحدًا عن حاجة يقدر عليها، دائم التبسّم، يبادل السيِّئة بالحسنة… وكان كثير المعروف والصّدقة في السرّ، وأكثر ذلك منه لا يكون إلَّا في اللَّيالي المظلمة”.

ونحن اليوم في هذه المناسبة المباركة، سنتوقَّف عند موقفين يعكسان عمق إنسانيَّته، والَّتي نحن أحوج ما نكون إلى الاغتناء بها واستلهامها.

التّواضع مع الفقراء

الموقف الأوَّل: حصل عندما دعا (ع) يومًا إلى مائدة، قد اكتملت أصنافها، وجلس إليها كلّ من كان معه من القادة والوزراء وكبار القوم، وكان ذلك في أوَّل تولّيه ولاية العهد، لكنَّ الإمام (ع) أصرَّ على عدم الجلوس حتّى يدعى إليها كلّ من كان هناك من عمَّال، وكلّ من يقوم بخدمته، حتّى البوّاب والسَّائس للخيل، فقال له حينها أحد أصحابه الَّذي أمره بدعوة هؤلاء: “يا مولاي، لو دعوت لهؤلاء مائدة؟!”، فموقعك كإمام للمسلمين ووليّ للعهد، وموقع جلسائك من ذوي المقامات العالية، لا يتناسب مع الجلوس إلى المائدة نفسها مع هؤلاء، فلو وضعت لهؤلاء مائدةً خاصّةً بهم يجلسون إليها؟! فقال الإمام (ع): “مه، إنَّ الرَّبَّ تبارك وتعالى واحد، والأمّ واحدة، والأب واحد، والجزاء بالأعمال، والله يقول: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ}“.

لقد أراد الإمام (ع) من خلال سلوكه هذا، أن يبيِّن صورة من صور التَّواضع الّتي كان يعيشها، وأن يُعيد صياغة العقليَّة الَّتي كانت تتحكَّم بمعايير التَّفاضل بين النَّاس، القائمة على الجاه أو المال أو كثرة الأتباع، فبيّن أنّ المعيار الحقيقي، كما أراد الله تعالى، إنّما هو التَّقوى، وبمقدار أداء الإنسان للمسؤوليّة الّتي يحملها في العمل الَّذي يقوم به، كبيرًا كان العمل أو صغيرًا، وهذا ما عبّر عنه دعاء الإمام زين العابدين (ع): “اللَّهُمَّ وَاعْصِمْنِي مِن أنْ أظُنَّ بِذِي عَدْم خَسَاسَةً، أَوْ أَظُنَّ بِصَاحِبِ ثَرْوَة فَضْلًا، فَإنَّ الشَّرِيفَ مَنْ شَرَّفَتْهُ طَاعَتُكَ، وَالْعَزِيزَ مَنْ أَعَزَّتْهُ عِبَادَتُكَ”، وأن لا يرى من يملكون المواقع العالية أنفسهم فوق النَّاس، بل أن يروا أنَّ الموقع ينبغي أن يحمّلهم المزيد من المسؤوليَّات والتّواضع.

إنسانيَّةُ العطاء

الموقف الثَّاني: هو الَّذي أشار إليه أحد أصحابه، قال: “كنت في مجلس أبي الحسن الرّضا (ع)، وقد اجتمع إليه خلق كثير يسألونه عن أمور دينهم، إذ دخل عليه رجل، فسلَّم عليه، ثمَّ قال له: افتقدْتُ نفقتي، وما معي ما أبلغ به بلدي، فإن رأيت أن تنهضني إلى بلدي، ولله عليَّ نعمة، فإذا بلغت بلدي، تصدَّقت بالَّذي توليني عنك، فلست موضع صدقة. فقال له: اجلس رحمك الله، وأقبل على النَّاس يحدِّثهم حتَّى تفرَّقوا”، ثمّ دخل إلى حجرته، وأتى بصرَّة فيها مبلغ من المال تزيد عمَّا يحتاج إليه الرَّجل، وأعطاه إيّاها من وراء الباب، ثمَّ قال له: “استعن بها في مؤونتك ونفقتك، وتبرَّك بها، ولا تتصدَّق بها عنّي”، ثمَّ خرج.

هذا، وكما تذكر السِّيرة، استغرب أحد أصحاب الإمام (ع) الجالسين عنده أن يستر الإمام وجهه عن الرَّجل عندما أعطاه المال، فهذا قد يكون طبيعيًّا لو كان المال قليلًا، استحياءً من هذا الرَّجل، ولكنَّه أعطاه كثيرًا، لذا قال له: جعلت فداك، لقد أجزلت ورحمت، فلماذا سترت وجهك عنه؟ فقال: “مخافة أن أرى ذلَّ السّؤال في وجهه لقضائي حاجته”، لا أريد أن أراه ذليلًا لأنّي تصدَّقت عليه.

لقد جاء هذا الشّعور الإنسانيّ من الإمام الرّضا (ع) تجاه هذا السّائل، تعبيرًا عن المنهج الإسلاميّ الّذي يدعو المؤمن إلى حفظ كرامة النّاس من حوله، وأن لا يعرّضهم للإهانة بسبب حاجتهم.

وقد أبطل القرآن الكريم الصّدقة إذا كان يصاحبها إهدار كرامة المحتاج، وهذا ما أشار إليه الله سبحانه وتعالى: {لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالْأَذَىٰ}، في الوقت الَّذي دعا الإنسانَ إلى أن لا يهدر كرامة نفسه، وأن لا يسمح لأحد بأن يهدرها له، فقد فوَّض الله إلى المؤمن أموره كلّها، ولم يفوّض إليه أن يكون ذليلًا {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ}، فلا يساوم أحدًا عليها مقابل مال أو موقع أو أمن.

عهدٌ واقتداء

هذا غيضٌ من فيض السّموّ الإنسانيّ الَّذي بلغه الإمام (ع) في البذل والعطاء والحبّ للنَّاس والحرص على كرامتهم.

في هذه الذّكرى، لنتوجَّه إليه، ونعاهده بأن نكون على صورته ومثاله في هذه الحياة، لنكون جديرين بانتمائنا إليه وولائنا له، سائلين الله أن نحظى بزيارته في الدّنيا، وبشفاعته في الآخرة، وذلك هو الفوز العظيم.

بسم الله الرّحمن الرّحيم

الخطبة الثّانية

عباد الله أوصيكم وأوصي نفسي بوصيّة الله عزّ وجلّ لنا عندما قال: {وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَوأمرنا أن نتزوّد منها عندما قال: {وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَىٰ}.

والتَّقوى تعني أن نمتلك المناعة الدّاخليّة الّتي تجعلنا نقف عند حدود الله فلا نتجاوزها، وبحيث نكون حيث يريدنا الله أن نكون، أمَّا النّتائج، فسوف تكون لحسابنا على صعيد الدّنيا فضلًا عن الآخرة. فبالتَّقوى تفتح للمؤمنين بركات الدّنيا {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ…}، ويأتي الخير والرّزق بلا حدود {وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا *  وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ ۚ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُوقد قال الله: {إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوا والَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ}. أمّا في الآخرة فقال: {وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ}.

لذلك، أيّها الأحبَّة، وأمام التّحدّيات الّتي تواجهنا، نحن أحوج ما نكون إلى أن نستعين بالتّقوى، لنواجه كلّ ما نعانيه أفرادًا ومجتمعًا… أن نتحسّس أنفسنا جيّدًا، لنرى مدى حضورها فينا ومدى امتلاكنا لها. وعندما تترسّخ في نفوسنا، وكما وعدنا الله، سنكون قادرين على مواجهة التّحدّيات، وما أكثرها!

التَّصعيد في العدوان

والبداية من هذا البلد، حيث يستمرّ العدوّ الصّهيونيّ باعتداءاته وارتكابه المجازر بحقّ اللّبنانيّين، ويواصل استهدافه البنى التّحتيّة تفجيرًا وجرفًا لما تبقّى من بيوت ومبان ومؤسَّسات في قرى الشّريط الحدوديّ.

إنّنا أمام هذا التّصعيد المستمرّ، نحيّي شعبنا على صبره وثباته رغم كلّ ما يعانيه من معاناة التّهجير والتَّدمير لبيوتهم وأماكن استقرارهم، فيما نجدّد دعوتنا الدّولة اللّبنانيّة إلى تحمّل مسؤوليَّاتها كاملة تجاه مواطنيها، والعمل بكلّ جديّة لإيقاف هذا العدوان ونزيف الدّم والدّمار عنهم، وهذا من حقّهم عليها، أن تعمل على إنهاء هذا العدوان وهذه المعاناة، وجعل ذلك من أولى أولويَّاتها، فلا ينبغي أن يكون هناك أولويّة فوق وقف العدوان بكلّ تداعياته، وأن لا تفرّط بحقوقهم، وذلك من خلال الضّغط على الرَّاعين لوقف إطلاق النَّار والدَّاعين إليه، أن يفوا بما التزموا به، وهم قادرون على ذلك إن أرادوا.

بين الضّغوط والتّوتّر الدّاخليّ

إنّنا هنا لا نريد أن نهوّن من حجم الضّغوط الّتي تمارس على هذا الوطن، ولا حجم التّحدّيات الّتي تواجهه لدفعه إلى خيارات تمسّ بحقوقه المشروعة باستعادة أرضه وإزالة كاهل الاحتلال عن كلّ حبّة تراب فيه، ولكن هذا لا يعني التّسليم لها، فلبنان ليس ضعيفًا إلى حدّ يملى عليه، بل هو قادر على أن يملي بفعل القوَّة الّتي يملكها، والّتي أثبتت جدارتها في الميدان والحضور على صعيد العالم العربيّ والإسلاميّ أو على صعيد العالم…

إنَّ من المؤسف أمام كلّ هذا المشهد الدّامي والنَّازف، أن نرى تصاعدًا في مستوى التّوتّر الدّاخليّ، والّذي وصل إلى المواقع العليا في الدّولة، مما نخشى أن يترك تداعياته على المستويين الشّعبيّ والوطنيّ، في وقت هو أحوج إلى رصّ الصّفوف وتضافر الجهود والوحدة، سواء على صعيد مواقع الدّولة، أو على الصّعيد الشّعبيّ، حيث لا يمكن أن يواجه هذا التّحدّي بالتّرهّل والانقسام الّذي نشهده…

إنّنا، ومن هنا، نعيد مجدّدًا الدَّعوة إلى العمل سريعًا على ردم أيّة هوّة حاصلة على صعيد مواقع القرار، وهذا يدعو إلى التَّلاقي لإيجاد صيغة يتمّ التَّوافق عليها، تضمن الخروج من هذا الواقع الصَّعب والمتردّي الّذي يعيشه البلد وإنسانه، وكفّ يد العدوّ عنه، والَّذي ستكون انعكاساته، كما نقول دائمًا، على كلّ الوطن. فهذا الوطن لا يقوم ولا يبنى إلَّا على التَّوافق الَّذي نريده أن يكون لصالح هذا البلد ولحسابه.

فيما نريد للّبنانيّين بكلّ طوائفهم ومذاهبهم ومواقعهم السّياسيّة، أن يكونوا حماةً لهذا الوطن بوحدتهم، بأن يكونوا دعاة لها من خلال تفعيل لغة الحوار، بدلًا ممّا نشهده على مواقع التّواصل ومن الإعلام، من الكلام المستفزّ والموتّر الّذي لن يكون في مصلحة أحد، بل سوف يستفيد منه كلّ من لا يريد خيرًا بهذا الوطن… فلا يسمحوا للعابثين بهذه الوحدة والسّاعين للفتنة أن يجدوا طريقًا إليهم، وأن يكونوا يدًا واحدة في مواجهتها.

التّكافل في أزمة النّزوح

في هذا الوقت، وأمام حجم النّزوح والكارثة الّتي أصابت قسمًا كبيرًا من النّاس الّذين اضّطروا أن يتركوا منازلهم وأرزاقهم، نجدّد دعوتنا الدّولة إلى تفعيل دورها، وإلى تعزيز التّكافل والتّعاون بين اللّبنانيّين، لمواجهة الأعباء المتزايدة، والّتي – مع الأسف – لن تقف عند حدود، وقد تكون تداعياتها المستقبليّة أشدّ خطورةً وصعوبة، وأن يقدّموا من خلال ذلك الصّورة الّتي نريدها لهذا الوطن، في أن يكونوا كالجسد الواحد، إذا اشتكى قسم من مواطنيه، تداعى كلّ الوطن بالحمَّى والسّهر، ليسلموا ويسلم معهم الوطن.

العمّال في عيدهم

وأخيرًا، وفي يوم العمل العالميّ، نتوجَّه، ورغم كلّ الظّروف الصّعبة الّتي يعانيها العمّال، بالتَّهنئة إلى كلِّ العمَّال الّذين يكدُّون ويتعبون بجدٍّ وإخلاص، ليبنوا عزَّتهم وكرامتهم، ويرتقوا بأوطانهم إلى مدارج العزّة والكرامة.

إنَّ من حقِّ العمَّال على وطنهم، وعلى كلّ الّذين يعملون لديهم، أن يحظوا منهم بالاهتمام والرّعاية، وأن يكرَّموا، وعلى الأقلّ أن لا تُغمَط حقوقهم، وأن يشعروا بالأمان والعيش الكريم. وهنا لا بدّ أن نحمي، وفي ظلّ الظّروف الصّعبة الّتي نعانيها، أولئك الّذين عملوا ويعملون رغم الظّروف الصّعبة، ومنهم من قدّم التّضحيات وهم في مواقع عملهم.

ويكفي تكريمًا للعمّال، أنّهم ممّن استجابوا لله عزّ وجلّ عندما دعاهم إلى العمل، ما يجعلهم تحت عينه وعين رسول الله (ص)، وموضع تقدير المؤمنين، كما قال لهم: {وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ}… وأنَّ اليد الّتي يعملون بها هي يدٌ تعبد الله في مواقع عملها وتجاهد في سبيله، ولهم فضل المجاهدين، وهي يد يحبّها الله ورسوله.

***