الحلم وكظم الغيظ في نهج الإمام الحسن (ع)

قال الله سبحانه وتعالى: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا}. صدق الله العظيم.
في أحضان الرّسالة
نستعيد في السّابع من هذا الشّهر، شهر صفر الخير، ذكرى رحيل واحدٍ ممّن نزلت فيهم هذه الآية الكريمة، والّتي أشارت إلى المنزلة الّتي بلغها عند الله، بأن أذهب عنه الرّجس وطهّره تطهيرًا، وهو الإمام الحسن بن عليّ (ع)، سبط رسول الله وريحانته.
هذا الإمام الَّذي تربّى في حضن أمّه الزّهراء (ع)، وأبيه أمير المؤمنين (ع)، وحظي برعايةٍ خاصّة من جدّه رسول الله (ص)، وفيه انطبعت معالم شخصيَّته ومزاياه، وقد عبّر رسول الله (ص) عن ذلك حين قال: “حسن منّي وأنا من حسن”.
فقد ورد في سيرته أنَّه كان أشبه النَّاس خُلُقًا وخَلْقًا ودلًّا برسول الله (ص)، حتَّى إنَّ النّاس كانوا ينظرون إليه إذا اشتاقوا لرؤية رسول الله (ص) بعد وفاته، وكانوا يجدون عنده علمه وحلمه وعبادته وزهده وكرمه وتواضعه وحبَّه للنَّاس ورحمته بهم.
وبعد وفاة جدِّه رسول الله (ص)، شارك الإمام الحسن (ع) أباه في دوره الرّساليّ، وحمل معه أعباء الخلافة عندما تولَّاها، فكان له سندًا وعضدًا، وكان حاضرًا معه في كلّ حروبه، وبطلًا من أبطالها.
الإمامة في المرحلة الصّعبة
وقد تولّى الإمام الحسن (ع) المسؤوليّة بعد استشهاد أبيه في مرحلة كانت من أصعب المراحل وأشدّها حراجة، عندما رفض معاوية البيعة له وقاد جيشًا في مواجهته، ما دعا الإمام (ع) أن يستنفر أصحابه لردّ عدوانه، وكادت الحرب أن تقع لولا أن آثر الإمام الصّلح معه، بعدما رأى أنَّ الحرب لن تحقّق النّتائج المرجوّة منها في تلك المرحلة، ممّا لا مجال للدّخول اليوم في تفاصيله، لكنَّ ذلك لم يجعل الإمام (ع) يتراجع عن دوره الرّساليّ والتّوجيهيّ وبثّ الوعي داخل الأمَّة، وفي مواجهة كلّ ما يهدّد فكرها وشريعتها ومفاهيمها، وبقي على ذلك إلى أن غادر الحياة بفعل السّمّ الّذي دسّ له بأمر من معاوية لمنعه من متابعة هذا الدّور.
ونحن اليوم سنستفيد من هذه الذّكرى، لنشير إلى واحدة من أبرز الصّفات الّتي كان عليها الإمام؛ وهي صفة الحلم، الصّفة الّتي نعت بها وارتبطت به، حين سمّي حليم أهل البيت، وهي الّتي شهد له بها أعدى أعدائه، وهو مروان بن الحكم، حيث يُذَكر أنّه لمّا توفّي وأخرجت جنازته، أصرَّ مروان بن الحكم على حمل جنازته، وعندما سأله الحسين (ع): “أتحمل سريره، أما والله كنت تجرّعه الغيظ؟”، فقال: “إنَّني كنْتُ أفعلُ ذلك بمن يوازن حلمه الجبال”.
وقد عرّف الإمام الحسن (ع) الحلم عندما سُئل عنه، بأنَّه: “كَظْمُ الغيظِ، وملك النَّفس”.
وهنا سنورد عددًا من مواقفه الَّتي أشارت إلى هذه القيمة:
مواقف رساليَّة
أوَّلًا: ورد في السّيرة، أنَّ الإمام الحسن (ع) كان مع أصحابه وهو في الطَّريق في المدينة، فالتقى بشخص من أهل الشّام، ممّن ربّاهم معاوية على الكراهية لأهل البيت (ع) والحقد عليهم، هذا الرَّجل بمجرَّد أن عرف أنَّ هذا هو الإمام الحسن (ع)، راح يسبّه ويشتمه، ليفجّر الحقد الَّذي كان زرعه معاوية في داخله.
هنا اندفع أصحابه لإسكات هذا الرَّجل والرّدّ عليه، لكنَّ الإمام (ع) قال لهم: دعوه، أنا أكفيكم أمره. فأقبل على الرّجل بابتسامته المعهودة، وقال له: “أيّها الشَّيخ، أظنّك غريبًا، ولعلَّك شبَّهت، فلو استعتبتنا أعتبناك، ولو سألتنا أعطيناك، ولو استرشدتنا أرشدناك، ولو استحملتنا حملناك، وإن كنت جائعًا أشبعناك، وإن كنت عريانًا كسَوْناك، وإن كنت محتاجًا أغنيناك، وإن كنت طريدًا آويناك، وإن كان لك حاجة قضيناها لك، فلو حرّكت رحلك إلينا وكنت ضيفنا إلى وقت ارتحالك، كان أعود عليك، لأنَّ لنا موضعًا رحبًا، وجاهًا عريضًا، ومالًا كثيرًا”، ثمَّ دعاه إلى بيته. وفعلًا، ذهب هذا الرَّجل إلى بيت الإمام (ع)، ووجد فيه أجواء الإيمان والتَّقوى ممّا كان غائبًا عنه، فخرج من عند الإمام وهو يقول: “أشهد أنّك خليفة الله في أرضه، الله أعلم حيث يجعل رسالاته، كنت أنت وأبوك أبغض الخلق إليّ، والآن أنت أحبّ خلق الله إليّ”.
وموقف ثان حصل معه بعد قراره الصّلح مع معاوية، حين رأى بعض أصحابه ممّن لم يفهموا خلفيَّة منطلقاته وأهدافه من الصّلح، حيث رأوا فيه موقف ذلّ وخنوع، ووصل بهم الأمر إلى أن يقولوا للإمام (ع) حين كانوا يسلّمون عليه: “السّلام عليك يا مذلّ المؤمنين”، وهناك من قال: “لوددت أنّك متّ في ذلك اليوم ومتنا معك”، لكنَّ مثل هذه الكلمات الّتي كانت كافية لاستفزاز الإمام، لم تستفزّه، بل تحرّك من وعيه لخلفيَّاتهم. يومها واجه الإمام هذه الحالة بحكمة وأناة وسعة صدر، مبيّنًا لهم منطلقاته، وأنَّه لم يفعل ذلك إلَّا لأجلهم، ما جعلهم يتراجعون عن إساءاتهم، ويتفهَّمون حقيقة ما قام به الإمام ويعتذرون إليه.
أمَّا الموقف الأخير، فعبَّرت عنه وصيَّته للإمام الحسين (ع)، حين قال له في وصيَّته: “أوصيك يا أخي بمن خلّفت من أهلي وولدي وأهل بيتك؛ أن تصفح عن مسيئهم، وتقبل من محسنهم، وتكون لهم خلفًا ووالدًا… وأن تدفنني مع جدّي رسول الله، فإنّي أحقّ به، فإن أبوا عليك، فأنشدك الله بالقرابة والرّحم الماسَّة من رسول الله، أن لا تهريق فيّ محجمةً من دمٍ”.
وهذا ما حصل، فلمَّا أراد الحسين (ع) دفن أخيه الحسن (ع) عند جدّه رسول الله (ص)، جاء بنو أميَّة ومنعوا ذلك، وكاد ذلك يؤدّي إلى قتال لولا تدخّل الإمام الحسين (ع)، والّذي سارع إلى أخذ جثمان أخيه إلى البقيع، ليدفن هناك إلى جانب جدَّته فاطمة بنت أسد، تنفيذًا لوصيَّة أخيه، ووأدًا للفتنة الَّتي حرص الإمام الحسن (ع) على عدم الوقوع فيها، وإن كان ذلك على حساب رغبته في أن يدفن إلى جوار جدّه رسول الله (ص).
قيمة الحلم في واقعنا
أيُّها الأحبَّة: في ذكرى وفاة هذا الإمام، نحن أحوج ما نكون إلى الاستهداء به في هذه القيمة؛ قيمة الحلم، بأن نكون الحلماء الَّذين لا يسارعون إلى التّوتّر والانفعال والغضب عندما تحصل دواعيها، وما أكثرها في أيّامنا!
وكلّنا نعرف ما قد يؤدّي إليه سلوك الانفعال والتّوتّر والغضب إن هو تحكّم بالإنسان أو بالمجتمع. وهذا يحتاج إلى بذل جهد منّا، وإلى صبر وتسديد من الله عزَّ وجلَّ، ولكنَّ آثاره كبيرةٌ في الدّنيا، حيث ورد في الحديث: “من حلم ساد”، “مَنْ حَلمَ عَنْ عَدُوِّهِ ظَفِرَ بِهِ”، وبما يحظى به الحلماء ممّا أشار إليه الحديث: “كادَ الحليم أن يكونَ نبيًّا”، وبما قاله الله عزّ وجلّ: {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}.
وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.
بسم الله الرَّحمن الرَّحيم
الخطبة الثَّانية
عباد الله، أوصيكم وأوصي نفسي بوصيَّة الإمام الحسن (ع) لأحد أصحابه، وهو جنادة بن أبي أميَّة، حين دخل عليه في مرضه الَّذي توفّي فيه، وكان يعاني آثار السُّمّ الَّذي دُسَّ له، وقال له: عظني يا بن رسول الله، قال (ع): “استعدَّ لسفرك، وحصِّل زادك قبل حلول أجلك، واعلم أنّك تطلب الدّنيا والموت يطلبك، ولا تحمل همّ يومك الَّذي لم يأتِ على يومك الّذي أنت فيه، واعلم أنَّك لا تكسب من المال شيئًا فوق قوتك إلّا كنت فيه خازنًا لغيرك… واعمل لدنياك كأنّك تعيش أبدًا، واعمل لآخرتك كأنّك تموت غدًا، وإذا أردت عزًّا بلا عشيرة، وهيبةً بلا سلطان، فاخرج من ذلّ معصية الله إلى عزّ طاعة الله عزَّ وجلَّ”.
أيُّها الأحبَّة: إنّنا أحوج ما نكون إلى هذه الوصايا، لنكون أكثر وعيًا بمسارنا في هذه الحياة، وأكثر تحمّلًا للمسؤوليَّة، وأكثر قدرةً على مواجهة التحدّيات.
مسؤوليَّة حفظ السّيادة
والبداية من الاعتداءات الصّهيونيّة الَّتي شهدناها ولا نزال نشهدها، في الغارات الّتي باتت تستهدف يوميًّا القرى والبلدات في الجنوب، فيما تتواصل عمليّات التّفجير والتّجريف والحرق للمباني والبنى التّحتيّة والأحراج في المنطقة المحتلّة، بهدف إزالة أيّ مظهر من مظاهر الحياة، ولتيئيس أهلها ومنعهم من العودة إليها.
رغم كلّ ذلك، استمرّت المفاوضات بين الكيان الصّهيونيّ والدّولة اللّبنانيّة، في حين كنّا ننتظر من الدّولة اللّبنانيّة أن يكون لها موقف ممّا يجري، بأن لا تواصل هذه المفاوضات مع العدوّ، فيما هو يمارس اعتداءاته، ولا يلتزم بالتّطبيق الكامل لوقف إطلاق النَّار.
إنّنا نعي حجم الضّغوط الّتي تمارس على الدّولة اللّبنانيّة، والواقع الّذي يعانيه هذا البلد بفعل الاحتلال الصّهيونيّ. ولكن هذا، وكما قلنا سابقًا، لا يبرّر القبول بما يرتكبه العدوّ، أو السّكوت على جرائمه بحقّ لبنان واللّبنانيّين، أو يعفي الدّولة من مسؤوليّتها أو يدعوها إلى تقديم التّنازلات، فمن مسؤوليّتها أن تكون أمينة على شعبها وأرضها وقرارها الحرّ، وأن لا تفرّط بمقدّرات اللّبنانيّين وممتلكاتهم وجنى أعمارهم.
إنّنا نريد للدّولة اللّبنانيّة أن تصرّ على انسحاب العدوّ التّامّ من كلّ الأراضي الّتي احتلّها، داخل المفاوضات الّتي تجريها أو خارجها، أو أمام أيّ محفل أو منبر دوليّ، وبأن لا تستكين إلى ما تمنَّن به وما يُمنّ به على اللّبنانيّين من الانسحاب من بعض القرى، والّتي صار من الواضح أنّها من كيس اللّبنانيّين، لكون أغلبها من القرى الّتي لم يدخلها جيش الاحتلال… وهو انسحاب فُخّخ من العدوّ بشروط تجعله غير قابل للتّحقّق أو الاستمرار، وبعد أن أعلن العدوّ، ولا يزال يعلن، أنَّه لن يغادر الأراضي الّتي احتلَّها وسيبقى فيها لكونها منطقة أمنيَّة له.
في الوقت الَّذي نحذّر من تداعيات الانقسام الدَّاخليّ الّذي نشهده على صعيد مواقع الدّولة أو على الصّعيد الشّعبيّ، على التّماسك الدّاخليّ المطلوب في هذه المرحلة لمواجهة تحدّياتها، وحرصًا على قوّة الموقف اللّبنانيّ، ومنعًا لأيّ فتنة يسعى إليها من لا يريد خيرًا بالبلد، الأمر الّذي يتطلّب من الجميع الكفّ عن الخطاب المتوتّر والمستفزّ الّذي نشهده على المنابر الإعلاميّة، ومواقع التَّواصل، وتصريحات المسؤولين، والمواقع السّياسيّة في هذا البلد، والعودة لتعزيز لغة الحوار في مقاربة خلافاتهم، وأن يحكمهم الخطاب العقلانيّ والموضوعيّ والهادئ، الّذي هو السّبيل لمعالجة الخلافات وإزالة التّشنّجات والتّوتّرات.
غياب رسميّ.. ومبادرات
وفي مجال آخر، نكرّر دعوتنا الدّولة اللّبنانيّة إلى تفعيل دورها حيال مواطنيها الّذين دفعوا فاتورة الحرب تهجيرًا وتدميرًا وتضحيات، وأن تبذل أقصى جهودها لتوفير كلّ الشّروط الّتي تضمن العودة إلى قراهم وتأمين الحياة الكريمة لهم، وهذا من حقّهم.
وهنا، لا بدَّ أن ننوّه بالمبادرات الّتي يقوم بها أفراد ومؤسّسات وجمعيّات للقيام بهذا الدّور، والّتي بها يسدّون ما أمكن من النّقص الحاصل من عدم قيام الدّولة بواجباتها تجاه المواطنين.
***
